مؤلف مجهول

297

كتاب في الأخلاق والعرفان

واختلفوا في معنى الإخلاص ، فقال بعضهم : هو سرّ مجرّد في القلب مع الحقّ بإسقاط الخلق . وقال قوم : هو تمييز العمل من العيوب تمييز اللبن من بين فرث ودم . وقال اللّه تعالى : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ « 1 » . فكما أخرج لهم لبنا ليس فيه لون الدّم ولا رائحة الفرث ، أراد منهم عملا ليس فيه ذكر الخلق ولا إرادة الدّنيا ولا محبّة العقبى ولا غبار العجب ولا ظلمة الكبر ولا كدورة الرّئاء ولا دلال الإعجاب . وقيل : هو الوحشة على المؤانسة ، وهو نسيان الخلق وما استأنسوا به وركنوا إليه من الأسباب . وقيل : هو إرادة البقاء بعمل الخير . قال اللّه تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها يقول : وعمل لها عملها الّذي يوجبها وَهُوَ مُؤْمِنٌ يعني مصدّق بثواب اللّه فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً « 2 » . وضدّ الإخلاص الرّئاء ، وهو إرادة الدّنيا بعمل الخير والنّجاة من عقوبتها « 3 » والثّناء من الخلق وطلب رؤيتهم للأعمال الصّالحة دون ذكر الثّواب وإرادة النّجاة من العقاب « 4 » . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ « 5 » . دلّت الآية [ على ] أنّ الرّئاء يبطل الأعمال ، وهو في عدم الانتفاع بعمله كالحجر

--> ( 1 ) . النّحل : 66 . ( 2 ) . الإسراء : 19 . ( 3 ) . أي عقوبة الدّنيا . ( 4 ) . أي عقاب الأخروي . ( 5 ) . البقرة : 264 .